عمران سميح نزال
75
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
الفصل الثالث مفهوم الوحدة التاريخية تبين لنا مما سبق أن معنى كلمة التاريخ هو معرفة الوقت ، وتبيّن لنا في عمل سابق بعض القواعد العلمية والطرق الاستنباطية ، التي تكشف عن المعاني التاريخية في القرآن الكريم « 1 » ، وقد استنبطت هذه الطرق من القرآن نفسه ، ومعلوم أن القرآن الكريم لم يذكر صراحة تاريخ نزول آية أو سورة معينة ، بل لم يذكر صراحة تاريخ حادثة إسلامية واحدة ، لا في قصة خلق الكون أو السماوات أو الأرض ، ولا في قصة آدم عليه السلام ولا في من أتى بعده من الأنبياء والرسل ، ولم يؤرّخ لحادثة نزول القرآن في غار حراء ، ولا لتاريخ البعثة ولا لتاريخ حادثة الإسراء ، ولا لتاريخ هجرة النبي عليه الصلاة والسلام ، ولا لتاريخ معركة إسلامية واحدة ، وإنما اهتم القرآن الكريم بالهداية والعلم والحكمة والعبرة ، والتبشير بالجنة والنذير من النار وليس بالمعرفة التاريخية . ونؤكد مرة أخرى أن علم تاريخ نزول آيات القرآن الكريم وسوره ، لا يهدف إلى المعرفة التاريخية إلا من أجل الحكمة التشريعية من تتابع نزول المعاني القرآنية ، فمعرفة الأسباب والمناسبات والناسخ والمنسوخ وغيرها من العلوم التي أقرّ العلماء بضرورتها وأهميتها للمفسّر لا تتحقق فعلا إلا بالمعرفة التاريخية لنزول هذه الآيات ، وذلك لمعرفة تاريخ الحادثة والمتقدّم من الآيات والمتأخر منها ، فالمعرفة التاريخية ضرورية للعالم والمجتهد حتى يستطيع الوصول إلى الصواب في الحكم ، أي أن الاجتهاد الفقهي والعقدي والسياسي يعتمد كثيرا على الاجتهاد التاريخي
--> ( 1 ) علم تاريخ نزول آيات القرآن الكريم وسوره ، فصل طرق استنباط المعاني التاريخية ، 155 .